السيد محمد تقي المدرسي

246

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

فيهما . قال المحقق النائيني - حسب تقريراته - وهو يوجِّه الاحتياط عند الشك ، قال : « لو كان المأمور به عنواناً لفعل المكلَّف لم تَجْرِ فيه البراءة ، إذ العنوانية إنمّا تكون فيما إذا كان المأمور به من المسبَّبات التوليدية لفعل المكلَّف ، ويكون فعل المكلّف سبباً له ، فإنّه يكون الفعل معنوناً بذلك المسبَّب ولا تجري فيه البراءة ، لرجوع الشك فيه إلى الشك في المحصَّل ، بداهة أنّ فعل المكلّف بما هو لم يكن متعلَّق التكليف ، بل متعلَّق التكليف هو ما يستتبع الفعل من السبب ، فلو شك في أنَّ الجزء الفلاني له دخل في ترتّب المسبَّب كان مقتضى الأصل عدم الترتُّب ، ويلزمه الاشتغال ، من غير فرق بين أنْ يتعلق الامر بالمسبَّب فيقول : إحرق الثوب ، وبين أنْ يتعلق بالسبب فيقول : ألقِ الثوب في النار ، لمِا عرفتَ من أنَّ الأمر بالإلقاء لا لمطلوبيّة نفس الإلقاء بما هو فعل من أفعال المكلّف ، بل بما هو محصّل للإحراق ، فعند الشك في حصول الإحراق لاحتمال دخل شيء فيه كان اللازم فيه هو الاحتياط ، ولا مجال للبراءة أصلًا ، كما هو الشأن في الشك في باب المحصّلات مطلقاً » « 1 » . وأوضح المحقق الخوئي رأي أستاذه بما يلي : « انّه على الصحيحي ( القول بالوضع للصحيح فقط ) لا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ، كما أنّه على الأعمّي لا مناص من الرجوع إلى البراءة ، بتقريب أنَّ تصوير الجامع على الصحيحي لا يمكن إلّا بتقييد المسمّى بعنوانٍ بسيطٍ خاصّ ، إمّا من ناحية علل الأحكام أو من ناحية معلولاتها ، وأنّ هذا العنوان خارج عن المأتيّ به ومأخوذ في المأمور به ، وعليه فالشك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً لا محالة يوجب الشك في حصول العنوان المزبور ، فيرجع الشك حينئذٍ إلى الشك في المحصّل ، والمرجع فيه قاعدة الاشتغال دون البراءة « 2 » » . وناقش المحقق الخوئي ( قده ) وغيره في ذلك بأنّ المأمور به - على القول بالوضع للصحيح - إمّا هو الأجزاء والشرائط مباشرة أو عنواناً منتزَعاً منها ، ولابدّ من انطباق ذلك العنوان الجامع على تلك الأجزاء والشرائط كما ينطبق الكلي على أجزائه ، وإذاً يعود الشك في ذلك الكلي إلى الشك في أفراده سعةً وضيقاً فيكون ، بالتالي شكاً في أصل وجوب المزيد من القيود .

--> ( 1 ) - فوائد الأصول ، ج 1 ، ص 70 . ( 2 ) - محاضرات في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 194 .